تطويق تأثيرات الخلاف السعودي ـ الإماراتي على دول الخليج
صحيفة بحر العرب - العربي الجديد ـ أنور الخطيب:
نجحت اتصالات اللحظات الأخيرة في تخفيف التوتر وتطويق تداعيات الخلاف السعودي - الإماراتي في اليمن على منظومة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وهو الخلاف الذي خرج للعلن بقصف الطيران السعودي شحنة عتاد عسكرية وشبه عسكرية إماراتية في ميناء المكلا بحضرموت، فجر أول من أمس الثلاثاء. وبعد صمت دام ساعات في العواصم الخليجية، أصدرت الدول الأعضاء في مجلس التعاون، ليل الثلاثاء - الأربعاء وفي توقيت واحد تقريباً، بيانات متطابقة في مواقفها، وتكاد تكون متشابهة في صياغتها، عن الخلاف السعودي – الإماراتي. أكدت تلك البيانات ضرورة منع التصعيد والحرص على وحدة الصف الخليجي، وأهمية دور السعودية والإمارات في استقرار اليمن، وأن أمن السعودية من أمن دول الخليج.
ساهم إعلان الإمارات، عصر الثلاثاء، سحب قواتها من اليمن، بناء على مطلب رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي بخروج القوات الإماراتية من اليمن، في تطويق تداعيات الأزمة الخليجية الجديدة وتأثيراتها على دول مجلس التعاون الخليجي، وفق مراقبين خليجيين. واعتبر هؤلاء المراقبون، في أحاديث مع "العربي الجديد"، أن دول المجلس نجحت إلى حدٍّ ما في احتواء تداعياتها المباشرة ومنع انتقالها إلى صدام خليجي داخلي، إلا أن توحيد الرؤية بالكامل لم يتحقق. كما وصفوا الانسحاب الإماراتي من اليمن بأنه انسحاب تكتيكي، لأن الوضع على الأرض ليس في صالح الإمارات الآن، وهو ما قد يتغيّر مستقبلاً. لكن المواقف السعودية والإماراتية المعلنة أخيراً جنّبت، وفق المراقبين، المنطقة حرباً وتدخلات دولية إسرائيلية في أمنها. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أجرى، مساء الثلاثاء، اتصالين هاتفيين بنظيريه السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، بشأن الأوضاع في اليمن. ووفق بيان المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت "جرى بحث التوترات المستمرة الحاصلة في اليمن، ومناقشة القضايا التي تؤثر على الأمن والاستقرار الإقليميين".
التأكيد على أمن المنطقة
وأعربت البحرين، بصفتها رئيسة الدورة الحالية لمجلس التعاون الخليجي، عن تقديرها العميق وتثمينها للدور المحوري الذي تضطلع به السعودية والإمارات في دعم أمن واستقرار اليمن، انطلاقاً من مسؤولياتهما الأخوية والتزامهما المشترك بأمن واستقرار منطقة الخليج العربي في إطار منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واحتواء أي تباينات في وجهات النظر ضمن إطار البيت الخليجي الواحد. كذلك ثمّنت قطر البيانات الصادرة عن السعودية والإمارات وقالت إنها تعكس الحرص على تغليب مصلحة المنطقة، مؤكدةً دعمها الكامل للحكومة اليمنية الشرعية.
وشدّد البيان على أن أمن السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يعدّ جزأ لا يتجزأ من أمن دولة قطر. كذلك أشادت الكويت بالنهج المسؤول الذي تنتهجه السعودية والإمارات وحرصهما على دعم استقرار المنطقة، وتعزيز مبادئ حسن الجوار، والالتزام بما نصّ عليه ميثاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية من قيم ومبادئ مشتركة، مؤكدة هي الأخرى دعمها الحكومة اليمين الشرعية واستمرارها في دعم كافة الجهود الإقليمية والدولية الهادفة إلى ترسيخ الحوار واعتماد الحلول الدبلوماسية، باعتبارها السبيل الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار، وتعزيز فرص السلام في المنطقة. وشددت سلطنة عُمان، في بيان، على أنها تتابع التطورات المتعلقة بالجمهورية اليمنية، مؤكدة استمرار موقفها الداعي إلى ضبط النفس، وتغليب صوت الحكمة، عبر معالجة كافة القضايا بالتي هي أحسن عبر الحوار، وتأييدها المواقف الداعية لخفض التصعيد واحتوائه وإنهاء مسببات الأزمة من جذورها مع أهمية احترام سيادة الجمهورية اليمنية وأمنها واستقرارها وإرادة أبنائها، وضرورة التوصل إلى حلول سياسية توافقية، تسهم في تحقيق السلام والوئام للجميع.
الدبلوماسية المتوازنة
في هذا الصدد علّق الكاتب والإعلامي القطري، جاسم إبراهيم فخرو، على الأزمة الأخيرة بالقول إن الاختلاف في المواقف بين دول مجلس التعاون الخليجي "أمر طبيعي، بل متوقّع، نتيجة تباين زوايا النظر تجاه القضايا الإقليمية، واختلاف تقدير المصالح، وتعدّد الرؤى السياسية والاستراتيجية لكل دولة". وأضاف لـ"العربي الجديد" أنه في ما يتعلق بالمواقف الخليجية من مستجدات الأزمة اليمنية "يمكن القول إن دول المجلس نجحت إلى حدٍّ ما في احتواء تداعياتها المباشرة ومنع انتقالها إلى صدام خليجي داخلي، إلا أن توحيد الرؤية بالكامل لم يتحقّق". ولفت إلى أن التقارب الواضح في مواقف قطر والكويت وسلطنة عُمان والبحرين من الخلاف السعودي-الإماراتي يعكس اتجاهاً متنامياً نحو الدبلوماسية المتوازنة وتغليب الحلول السياسية، لكنه في الوقت ذاته يكشف أن مرحلة "القرار الخليجي الموحد" لم تعد كما كانت في السابق.
وفي رأيه فإنه ما حدث "بداية وليس نهاية، فالمصالح اليوم لم تعد محصورةً في الإطار الخليجي الضيق، بل أصبحت إقليمية ودولية بحكم تشابك الملفات، وتغيّر موازين القوى، وتعدد الشراكات والتحالفات". وعليه اعتبر أن نجاح دول المجلس مستقبلاً سيبقى مرهوناً بقدرتها على إدارة الخلاف لا إلغائه، والحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم الذي يصون الاستقرار الخليجي، حتى مع اختلاف المسارات.
أما الباحث والأكاديمي العُماني عبد الله باعبود، فوصف في حديث مع "العربي الجديد"، الانسحاب الإماراتي من اليمن بأنه "انسحاب تكتيكي". وقال إن الوضع على الأرض الآن "ليس في صالح الإمارات، وهذا سبب انسحابها ويمكن لهذا الوضع أن يتغير". وبشأن تأثير الخلاف السعودي الإماراتي على دول مجلس التعاون، رأى باعبود أن "هناك توافقاً خليجياً كبيراً مع رؤية السعودية، فدول المجلس تريد لليمن أن يستقر وأن تقل الخلافات والصراعات فيه، وتعرف أن الملف اليمني بيد السعودية بالدرجة الأولى". ولدى هذه الدول، وفق باعبود، هواجس وتخوّفات من الدور الإماراتي في اليمن، "خصوصاً تجاه علاقة الإمارات مع إسرائيل وما حصل مع أرض الصومال (الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم دولة مستقلة) أخيراً". وتابع: "لا نعلم إلى أين سيصل الخلاف الأخير"، متسائلاً: "هل ستكتفي الإمارات بما اتخذته من مواقف وقرارات أم ترد بطرق أخرى، لا يمكن الجزم بذلك؟".
واعتبر باعبود أن "ترحيب دول مجلس التعاون الخليجي ومواقفها التي أعلنتها بعد الحديث عن ضرورة تخفيف التوتر وحل الخلافات بالحوار، لا ينفي أن كل دولة من دول المجلس رحبت بالمواقف الأخيرة لأسبابها الخاصة". كما لا ينفي هذا الترحيب أيضاً "استمرار وجود مشاكل بنيوية في بنية المجلس، وفي عملية اتخاذ القرار، وفي الثقة بين دوله، ونظامه الأساسي الذي لم يتطور وبقي على حاله منذ التأسيس (1981)".
تجنيب الخليج تدخلات خارجية
من جهته، قال الكاتب والإعلامي القطري، عيسى آل إسحاق، لـ"العربي الجديد"، إنه "أصبح واضحاً الآن بناء على الأحداث الأخيرة أن ما يحدث في اليمن نتيجة سياسات لم تأخذ مصلحة اليمن وشعبه في الاعتبار، بقدر ما كانت طموحات بعض الدول التي هدفت للتمركز ووضع قواعد لها في المواقع الاستراتيجية، كباب المندب، وبالتالي التحكم في مدخل البحر الأحمر". ورأى أن البيان السعودي (الثلاثاء والذي أكد أهمية استجابة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة لطلب الجمهورية اليمنية خروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال أربع وعشرين ساعة)، والذي وصفه بـ"الحازم والحاسم" وتجاوبت معه الإمارات بسرعة وأثنت عليه دول مجلس التعاون الخليجي "جنّب المنطقة حرباً ضروساً كانت قد تتحول إلى حرب دولية وتدخلات إسرائيلية في أمنها".
أما الكاتب والمحلل السياسي العُماني، سعيد البيماني، فاعتبر في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "أمن منطقة الخليج العربي بوصفه قضية وجود، لا تحتمل التباين في الرؤى"، موضحاً أن "الصراع في اليمن يأتي في قلب هذه المعادلة، ليس باعتباره شأناً يمنياً داخلياً فحسب، بل كامتداد مباشر للأمن الخليجي، وحدوده البحرية، وممراته الاستراتيجية، وتوازناته الإقليمية". يأتي ذلك وفق البيماني "إدراكاً بأن أي اختلال في استقرار الجزء الجنوبي لشبه الجزيرة العربية سيمثّل تهديداً مباشراً لأمن دول مجلس التعاون الخليجي وشركائها الإقليميين والدوليين". وأضاف أنه "في الوقت الذي تكشف فيه الأحداث الأخيرة في اليمن عن تباين في سياسات دول مجلس التعاون وسعيها إلى تحقيق مصالحها بشكل منفرد، يكشف الصراع كذلك عن أن هناك مصالح عليا تجمع دول المجلس تمكّنها من تجاوز الأزمات، وتدفعها إلى التركيز على القضايا الأهم التي تتقاطع في جوانب كثيرة". واعتبر أن ذلك "إيماناُ بأن استقرار ووحدة اليمن هو امتداد لاستقرار المنطقة الذي يبدأ من أطرافها لا مركزها، وهو الذي يعتبر ركيزةً أساسية في سبيل المضي قدما نحو الطموحات الاقتصادية وتحقيق الرؤى المستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي".