بحث

هندسة الاستقرار في اليمن... التحولات البنيوية للموقف السعودي ورهانات الدولة الوطنية

الأحد 04/يناير/2026 - الساعة: 7:48 م

صحيفة بحر العرب - المجلة ـ عبدالله فيصل آل ربح:

لا يُمكن استيعاب المشهد اليمني في مطلع عام 2026، بكل ما يتسم به من تعقيدات ميدانية عميقة وتفاعلات جيوسياسية متسارعة ومتشابكة، دون الإقرار بالدور المحوري الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية بوصفها ركيزة الاستقرار الأساسية في الشرق الأوسط بأسره.

إن التطورات التي شهدتها الساحة اليمنية في الأيام الأخيرة من ديسمبر/كانون الأول 2025، ولا سيما في محافظتي حضرموت والمهرة ذات الأهمية الاستراتيجية، لم تكن مجرد حدث أمني عابر، بل لحظة مفصلية تاريخية فرضت انتقالا جذريا من إدارة التوازنات الهشة إلى السعي الحازم لفرض الاستقرار السيادي الشامل، من خلال دعم مؤسسات الدولة الشرعية وإعادة ترتيب القوى الميدانية.

ويستمد هذا التحرك السعودي جذوره من مسؤوليات تاريخية وجغرافية وأمنية وجودية، تضع المملكة في موقع المركز الطبيعي الذي يُدار منه استقرار الإقليم برمته، لا كطرف إقليمي يلهث وراء نفوذ عابر أو مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، على نحو بعض القوى الأخرى التي تبقى أطرافا هامشية في المشهد، لا مركزه الحقيقي.

أصالة الدور السعودي ومركزية الاستقرار

في التحليل السوسيولوجي والسياسي الرصين، يبرز تمايز جوهري بين الدول المراكز التي تقود صناعة الاستقرار الإقليمي، والدول الأطراف ذات التأثير المحدود. المملكة العربية السعودية، بحكم وزنها الديني والسياسي والاقتصادي الفريد، لا تتحرك في اليمن انطلاقا من رد فعل دفاعي أو منافسة عابرة، بل من دور تاريخي تفرضه وحدة المصير المشترك بين الرياض وصنعاء، وارتباط أمن الجوار الحيوي باستقرار اليمن ككل. فالسعودية تمثل صمام الأمان الحقيقي للملاحة الدولية في البحر الأحمر وبحر العرب، والضامن الأوحد لمنع تحول اليمن إلى بؤرة دائمة لتصدير الفوضى والتطرف والتهديدات الأمنية إلى المنطقة والعالم.

لم يكن الرد السعودي في ميناء المكلا عسكريا محدودا فحسب، بل استجابة مؤسسية سيادية بامتياز، تجمع بين الحزم الميداني والالتزام بالإطار القانوني الدولي

إن مركزية الدور السعودي في الملف اليمني تتجاوز الدعم اللوجستي أو العسكري المحدود، لتشمل هندسة شاملة ومستدامة للدولة اليمنية الحديثة، من خلال دعم مؤسساتها السيادية. بينما قد تنخرط أطراف إقليمية أخرى في دعم مكونات محلية لأهداف جهوية أو أيديولوجية ضيقة، تظل المملكة المرجعية السياسية والقانونية الأساسية التي تستند إليها الشرعية الدولية المعترف بها، ومجلس القيادة الرئاسي في جهوده لاستعادة السيادة. حتى في مسألة الوحدة، التي ليست ثابتة بل رهينة للعدالة كما أشار وزير الدفاع إلى شرعية "القضية الجنوبية"، تكتفي السعودية بضمان أمنها واستقرارها دون فرض صيغ جامدة، مما يجعل أي دور آخر تكميليًا ومنضبطًا تحت مظلتها الشاملة، لا منافسًا لها أو مقوضًا لجهود استعادة السيادة.

التحول من الصبر الاستراتيجي إلى الحزم المؤسسي

شكّلت الأحداث الميدانية الأخيرة في ميناء المكلا، عاصمة ساحل حضرموت، تحولا جوهريا في المقاربة السعودية للملف اليمني برمته، إيذانا بانتقال استراتيجي من الصبر المدروس إلى الحزم المؤسسي السيادي. بعد سنوات من إعطاء فرص متكررة للحلول السياسية الشاملة والحوارات البينية، كشفت تقارير عن محاولات منظمة لتغيير موازين القوى بشكل أحادي، عبر شحنات أسلحة ثقيلة وعربات مدرعة ومعدات قتالية متقدمة، تستهدف تعزيز قوى تعمل خارج إطار التنسيق مع الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، مما يهدد بفرض واقع ميداني يقوض الاستقرار.

هنا، تحركت المملكة العربية السعودية، بصفتها مركز الاستقرار الإقليمي الأصيل بحزم، لضبط الإيقاع الميداني وإعادة الأمور إلى مسارها السيادي. جاءت الضربات الجوية الدقيقة والمحدودة في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، الموجهة مباشرة ضد تلك الشحنات غير القانونية، لترسم خطا أحمر سعوديا لا يُتجاوز، مؤكدة أن أمن المملكة الوطني ومجالها الحيوي– بما في ذلك حدودها الجنوبية وممرات الملاحة الحيوية– ليس محل مساومة، وأن أي تهديد له سيُقابل برد حاسم يحمي مصالح المنطقة بأسرها.

لم يكن الرد السعودي في ميناء المكلا عسكريا محدودا فحسب، بل استجابة مؤسسية سيادية بامتياز، تجمع بين الحزم الميداني والالتزام بالإطار القانوني الدولي. وحرصت الرياض على إصدار كافة القرارات الحاسمة عبر مجلس القيادة الرئاسي اليمني الشرعي، مما أضفى شرعية كاملة على الإجراءات كاستجابة لطلب الحكومة المعترف بها، وحماية لسيادتها في مواجهة محاولات التقويض.

شملت الإجراءات إعلان حالة الطوارئ الوطنية لمدة 90 يوما، وفرض حصار جوي وبحري وبري مؤقت لـ72 ساعة لضبط تدفق الأسلحة غير القانونية، إلى جانب إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الجانب الإماراتي بعد اكتشاف دعمه الأحادي. هذا يبرز قدرة السعودية على تحويل القوة العسكرية إلى حق مؤسسي يخدم الاستقرار الإقليمي، بعيدا عن لغة الميليشيات أو المغامرات المتهورة، مؤكدا مركزيتها كركيزة أساسية للأمن والسلام في المنطقة بأسرها.

العملية العسكرية التي أطلقها محافظ حضرموت بقرار من رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، استعادة حاسمة للسيادة الوطنية اليمنية وحماية مباشرة للمجال الحيوي السعودي

سوسيولوجيا الجنوب... قضية عادلة ومخاطر المغامرة الميليشياوية

لطالما أكدت الرياض بثبات أن القضية الجنوبية تمثل قضية سياسية عادلة ومشروعة لا يُمكن تجاهلها في أي حل شامل للأزمة اليمنية، بل يجب أن تشكل ركيزة أساسية في استعادة دولة يمنية موحدة وقوية. بيد أن الإشكالية السوسيولوجية اليوم تكمن في محاولات قوى محلية مدعومة إقليميا لتحويل هذه العدالة التاريخية إلى مغامرة ميدانية ميليشياوية، تهدد وحدة الصف الوطني المناهض للمشروع الحوثي الإيراني، وتشق الجبهة الوطنية، مما يُضعف الجهود المشتركة أمام التهديد الرئيس على السيادة اليمنية ويفتح باب الفوضى والتفتيت.

في هذا السياق الحرج، جاء خطاب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، واضحا وحازما، داعيا صراحة إلى تغليب صوت العقل والحكمة الاستراتيجية والمصلحة اليمنية والإقليمية على المكاسب الفئوية قصيرة الأمد. وأكد أن أي انفراد بالقرار الميداني خارج إطار الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي يخدم أجندات خارجية تهدف إلى إضعاف اليمن وتقسيمه، مشيرا ضمنيا إلى أهمية الالتزام باتفاق الرياض ومخرجات نقل السلطة كإطار جامع يضمن حقوق الجنوبيين ضمن دولة موحدة قوية.

إن التطورات الأخيرة، التي بلغت ذروتها بمطالبة القوات غير المنسقة بمغادرة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، تضع كافة المكونات أمام اختبار المسؤولية التاريخية. فالفرق بين الرؤية السعودية وما تطرحه قوى الانفصال يكمن في المأسسة مقابل السيولة. السعودية تراهن على الشراكة الحقيقية التي كفلها اتفاق الرياض ومخرجات نقل السلطة، التي منحت الجنوبيين حضورا فاعلا في مؤسسات الدولة السيادية. أما الانفراد بالقرار أو فرض واقع بالسلاح في مناطق حيوية كحضرموت والمهرة، فلا يخدم سوى المتربصين باليمن والمنطقة، مما استوجب تمكين قوات "درع الوطن" كقوة شرعية وطنية موالية للدولة المركزية، لسد الفراغ الأمني ومنع صراعات بينية تستهلك مقدرات الشعب اليمني.

حضرموت والمهرة... قلب الأمن القومي السعودي والمجال الحيوي

لا تنظر المملكة العربية السعودية إلى حضرموت والمهرة كمجرد أجزاء جغرافية من اليمن، بل كعمق أمني تاريخي وحيوي يحمي حدودها الجنوبية وممرات الملاحة العالمية في بحر العرب. فهذه المناطق تربط مصالحها بسلاسل الإمداد الدولية، وتُشكل خط الدفاع الأول أمام أي تهديدات ميليشياوية أو تدخلات غير منسقة.

العملية العسكرية التي أطلقها محافظ حضرموت سالم الخنبشي في 2 يناير/كانون الثاني 2026، بعنوان "استلام المعسكرات" وبقرار من رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي لتكليف قوات "درع الوطن"، ليست إجراء إداريا روتينيا، بل استعادة حاسمة للسيادة الوطنية اليمنية وحماية مباشرة للمجال الحيوي السعودي بعد التصعيدات الأخيرة في المنطقة.

محاولات تمكين كيانات مسلحة خارج إطار الدولة في هذه المناطق المطلة على بحر العرب والمتحكمة بممرات الطاقة تهدد خطط السعودية في تنويع منافذ التصدير و"رؤية 2030" للأمن الإقليمي والازدهار الاقتصادي. كما يوفر أي فراغ أمني بيئة خصبة لعودة تنظيمات إرهابية كـ"القاعدة" و"داعش"، مما دفع الرياض لدعم قوات "درع الوطن" والضربات الجوية الدقيقة لمنع تحول الشرق اليمني إلى ساحة فوضى، مؤكدة دورها كضمانة وحيدة لاستقرار المنطقة بأسرها.

إدارة التنافس وضبط القواعد الإقليمية تحت المظلة السعودية

على الرغم من أهمية التحالفات الإقليمية التاريخية في مواجهة التهديد الحوثي الإيراني، أثبتت التجربة اليمنية أن التضامن لا يُبنى على حساب أمن المملكة العربية السعودية وجوارها الحيوي في حضرموت والمهرة. فالتباين الاستراتيجي بين حسابات الرياض–المنطلقة من أمن قومي مباشر ومسؤولية تجاه استقرار اليمن– وبين أطراف تسعى لنفوذ محدود عبر وكلاء محليين، استوجب إعادة صياغة التموضع الاستراتيجي لقوات التحالف وعلاقتها بالشركاء في اليمن.

تجلت هذه البروتوكولات في الضربات الجوية الدقيقة، الحصار المؤقت، إلغاء الاتفاقيات الدفاعية غير المتوازنة، سحب القوات الأجنبية، ودعم تقدم قوات "درع الوطن" لاستعادة السيادة في المناطق الحيوية. فالمملكة، بصفتها مركز الاستقرار الإقليمي الأصيل، تحدد خطوطها الحمراء برفضها القاطع لأي تصعيد أحادي يهدد حدودها أو يقوض الشرعية.

تتطلب المرحلة المقبلة، مع تقدم قوات "درع الوطن" في سيئون والقطن والمكلا، حوارا رفيع المستوى كالذي دعت إليه الرياض استجابة لمجلس القيادة الرئاسي، يضمن مصالحها العليا وسيادة اليمن. فالساحة اليمنية ليست مساحة للتنافس على النفوذ، بل ساحة لاستعادة دولة موحدة قوية تحت الرعاية السعودية الفعّالة، وأي محاولة للالتفاف على قرارات السيادة ستواجه بحزم لا هوادة فيه، إذ يُمثل استقرار اليمن ضرورة وجودية للمملكة لا خيارا تفاوضيا.

مسارات السياسة وتوصيات صانع القرار السعودي

بناء على تقدير الموقف الاستراتيجي الحالي، يمكن رسم خارطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة في الملف اليمني تتلخص في المسارات التالية:

أولا، الحسم الميداني المؤسسي من خلال الاستمرار في نشر وتجهيز وحدات قوات "درع الوطن" في المواقع الاستراتيجية، لضمان بقاء القواعد الجوية والموانئ الحيوية تحت سلطة الدولة الشرعية وتحت إشراف مباشر من قيادة التحالف السعودية.

ثانيا، الدعم السيادي والسياسي المباشر لمجلس القيادة الرئاسي لتعزيز قدرته على أداء مهامه السيادية، وقطع الطريق أمام أي مشاريع تفتيتية تحاول فرض واقع انفصالي بقوة السلاح أو عبر استغلال المظلوميات التاريخية.

استقرار اليمن ليس ملفا أمنيا ثانويا، بل ركن غير قابل للتفاوض في "رؤية 2030" التي تربط ازدهار السعودية بأمن جوارها الحيوي وممرات الطاقة العالمية

ثالثا، حماية ممرات الطاقة والملاحة الدولية في بحر العرب وخليج عدن عبر تكثيف الدوريات البحرية والجوية السعودية، وضمان حماية استراتيجية الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية من أي تهديدات أمنية أو ابتزاز سياسي.

رابعا، إدارة العلاقة مع الشركاء الإقليميين من موقع القيادة والمركزية، مع التأكيد المستمر على أن أمن المملكة وسلامة جوارها هما الأولوية القصوى التي تعلو فوق كل اعتبار تضامني آخر، وأن أي تدخل في الشأن اليمني يجب أن يمر عبر البوابة السعودية لخدمة مصلحة الدولة اليمنية الموحدة.

اليمن في قلب رؤية المملكة التنموية

إن ما تقوده المملكة العربية السعودية اليوم في اليمن، من خلال دعمها الحازم لقوات "درع الوطن" ومجلس القيادة الرئاسي في استعادة السيادة على المناطق الحيوية، هو عملية جراحة دقيقة لاستئصال بؤر الفوضى وإعادة الاعتبار للدولة اليمنية الرصينة والموحدة، بعيدا عن الميليشيات والانقسامات التي أنهكت الشعب اليمني. إن استقرار اليمن ليس ملفا أمنيا ثانويا، بل ركن غير قابل للتفاوض في "رؤية 2030" التي تربط ازدهار المملكة بأمن جوارها الحيوي وممرات الطاقة العالمية.

تثبت المعطيات الميدانية والسياسية أن تجاوز حالة التشظي في اليمن يتطلب دعما دوليا صريحا للمسار الذي تقوده الرياض، القائم على مأسسة الدولة ورفض الكيانات الميليشياوية في الشمال أو الجنوب. إن رؤية المملكة لليمن بوصفه جزءا أصيلا من عمقها الأمني تعزز من فرص قيام دولة قوية وموحدة، تشكل بدورها الضمانة الأكيدة لاستقرار ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية في عصر التحديات الجيوسياسية المتسارعة.

متعلقات:

آخر الأخبار